شؤون دولية

انكشاف امريكا وهشاشة ديمقراطيتها

انكشاف امريكا وهشاشة ديمقراطيتها –

ترامب وانبعاث العنصرية في أمريكا

طالعني صديقي حسن الخلف، وهو كاتب عراقي، أمس برسالة يسألني فيها عن توقعاتي حول إمكانية أن يُصاحِب انتقال السلطة إلى الرئيس المنتخب في الولايات المتحدة جو بايدن أعمال عنف. والسؤال حول إمكانية أن تتجه الأمور إلى مواجهات وصدامات في الشارع ترافِقُ انتقال السلطة بات الشغل الشاغل للمراقبين والمحللين هذه الأيام. أنا أستبعد حدوث مواجهات في واشنطن يوم التنصيب في ظل الحشود الأمنية الكثيفة في العاصمة الأمريكية. فالقوات التي نُشِرَت في واشنطن، والتي يبلغ تعدادها وفق بعض التقارير قرابة الـ15,000 عنصر، سيكون بمقدورها التعامل مع أي تحرك هناك وإخماده. ولكن قد تحدث مواجهات في مدن أخرى لأن هناك دعوات إلى التظاهر، والكثير منها دعوات إلى تظاهرات مسلحة، في عموم الولايات المتحدة وقد يصعب على القوات الأمنية في بعض المواقع والمدن التعامل مع المتظاهرين ولجم العنف. ما يجري حالياً هو انكشاف وتفاقم حال من الهشاشة المجتمعية الداخلية المستوطنة في أمريكا. ثمة تصدعات وانقسامات عميقة في المجتمع الأمريكي وهذه، وبغض النظر عما سيحدث يوم التنصيب، لن تزول بمجرد تولي بايدن مهام منصبه.

عندما كنت طالباً في الجامعة في أمريكا سكنت في شقة واحدة مع طالب أمريكي أسود خلال العام الدراسي ١٩٨٦-١٩٨٧، وكان حينذاك يكتب أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه في الفلسفة. كان راديكالياً جداً في أفكاره وطروحاته وكنا نتحدث في جلساتنا وسهراتنا حول قضايا سياسية وفكرية كثيرة. وكما أنني فتحت له نافذة للاطلاع على أطروحات الفكر القومي العربي واليسار العربي وكتابات بعض الثوريين الإيرانيين المتوفرة مُتَرجَمَة إلى الإنكليزية، مثل كتابات علي شريعتي ومرتضى مطهري ومحمود طالقاني (كان هناك دار نشر إيرانية اسمها “ميزان برس” في بيركلي، كاليفورنيا، متخصصة في نشر مثل هذه الكتب) فإنه فتح عيني على كتابات الراديكاليين والقوميين السود في أمريكا والمنادين بحقوقهم من أمثال مارتن لوثر كينغ وإلايجا محمد (مؤسس جماعة “أمة الإسلام” و”رسول الله” كما لقبه أعضاء جماعته) ومالكولم أكس (الحاج مالك الشبّاز) وأنجيلا دايفيز (من الحزب الشيوعي في الولايات المتحدة الأمريكية) وهيوي بي نيوتن وبوبي سيل (وكلاهما من “حزب الفهود السود” الذي تبنى حمل السلاح للدفاع عن النفس في مواجهة عسف رجال الشرطة الذين درج أعضاء الحزب على وصفهم بـ”الخنازير”) والروائي رالف أليسون وغيرهم.

أتذكر ذات يوم دار بيننا حديث عن شعار “الموت لأمريكا”، الذي كان لاقى رواجاً كبيراً في لبنان في ذلك الأوان وكان ذلك رَجْعُ صدىً لرواجه في إيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979، وعن إسقاط الإمبراطورية الأمريكية عن عرشها. قال لي إنه ورغم تأييده لشعار “الموت لأمريكا” فإنه يأسف لأن كل محاولات رافعي هذا الشعار لتحقيقه لن تجدي نفعاً بسبب ما تتمتع الولايات المتحدة من عوامل القوة. برأيه أن الآباء المؤسسين، وأقطاب المؤسسة السياسية والفكرية الأمريكية منذ ذلك الحين، رأوا في أمريكا روما الحديثة، وإنهم استفادوا من قراءتهم لتاريخ روما وانهيارها، فسعوا إلى استغلال عوامل القوة التي تتمتع بها أمريكا للحيلولة دون إسقاطها من الخارج كما حدث لروما التي أسقطها الجرمان. إلا أنه يعتقد أن روما الحديثة هذه العصية على الإسقاط من الخارج سوف تتصدع من الداخل وتنهار بسبب ما تختزنه من مشاكل وانقسامات عرقية وكراهية عنصرية ستظل تتفاعل وتتفاقم إلى أن تدفع بها إلى الهاوية.

منذ أن أطلت علينا ظاهرة حركة حزب الشاي عام 2009، ومع كل خبر يطالعني عن تنامي النزعات المنتشية بأوهام تفوق العرق الأبيض في أمريكا، وإذ أتابع أخبار ما يجري في أمريكا اليوم، أستعيد في ذاكرتي هذا الحوار. ومن عاش لأكثر من عقد في الولايات المتحدة مثلي لا بد أن يكون قد مر بحالات ومواقف كان فيها ضحية العنصرية، إما بالاعتداء الجسدي أو اللفظي (لم يكن غريباً في أوساط الطلبة العرب في جامعتي أن يُرمى أحدهم بصفات تتعمد الإهانة من قبيل “راكب الإبل” [camel jockey] أو “زنجي الرمال”[sand nigger]) أو حتى البَصَرِي (نظرات الكراهية العنصرية مؤذية لأن مطلقيها يرومون إثارة شعور بالدونية والخوف والرعب لدى المُستهدَف بها).

لقد مثّل ترامب بكل ما يحمله خطابه من قِحَة وفجاجة وقبح ذاك الوجه العنصري لأمريكا الذي لطالما استتر في العقود الأخيرة خلف حُجُب الصوابية السياسية والمجاملات والتكاذب وبقية من الخجل. لقد جاء صعود ترامب وشعبيته تعبيراً عن هيجان في مكنونات الذات العنصرية في أمريكا أطلق مخبوءاتها متطايرة كالشرر. لم تمنح حقبة ترامب هذه النزعة العنصرية الثاوية في أمريكا متنفساً فحسب وإنما ضخت فيها جرعة من الجرأة للخروج من طور الكمون إلى طور الظهور والفعل والحركة بأوسع معانيها ومدياتها سعياً وراء ما تراه حقاً لها دون غيرها. هذا البعبع الذي خرج من قمقمه لن يعود إليه لأنه سئم العيش في عالم الظل. بعد نحو نصف قرن من الزمان على حركة الحقوق المدنية في أمريكا يبدو وكأن الزمان على وشك أن يدور دورة كاملة. لم يعد دعاة العنصرية في أمريكا خفافيش ظلام يغالبها الانشداد إلى ماضٍ خلا وإنما استعادوا صورتهم الأولى: ذئاب كاسرة تنتشي بأوهام القوة والغلبة والتفوق.

خ. ع.

15 كانون الثاني 2021

السيد محمد صادق الحسيني

رئيس تحرير موقع عيون الراصد

تعليق واحد

  1. عذرا انما ارى من ان ما يجري هي مسرحيات فولوكلوريه لا تسقط امريكا ولا تسبب لها انقسامات ولا حتى توترات امنيه ولا تواجد لاشخاص مسلحه في القرى والمناطق البعيده عن واشنطن وعن مكان الحشد العسكري الامريكي ان ما يقوم به ترامب هو عرض مسرحي لان في طبعه يحب الظهور والعروض المسرحيه وبتصوير نفسه بطل امريكا الوحيد انا ارى عذرا همروجة ضوضائيه اعلاميه كما حصل في اقتحام الكونغرس اذا حصل ردة فعل ستكون بسيطه ومحدوده ومسيطر عليها لان من يتحركون لا يتحركون عن نهج ومبدا وفكر وعقيده وايمان راسخ بل مدفوع ثمن تحركهم قليل من المال ينتهي مع انتهاء المال كل هذه التحركات ستنتهي بعد ايام بعد تنصيب الرئيس الجديد بايدن وستصبح من ماضي امريكا اما ترامب هو مثله مثل الذين سبقوه كل رئيس يئاتي من يقتل عربا ويدمر بلدانهم ويسلب نفطهم اكثر من يعطي لاسرائيل حق وجود اكبر ودعما اوسع هو يكون الرئيس الافضل عذرا هذا راي الشخصي مع احترامي لمنشوركم وارائكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى